أحمد بن حجر الهيتمي المكي
39
الدر المنضود في الصلاة والسلام على صاحب المقام المحمود
الأشياء شهرة فيما بين أهل النقل ، فلو جوّزنا أن مسمّى الصلاة في الأصل ما ذكر ، ثم إنه خفي واندرس حتى صار بحيث لا يعرفه إلا الآحاد . . لجاز مثله في سائر الألفاظ ، وبتجويزه ينتفي القطع بأن مراد اللّه تعالى منها معانيها التي يتبادر الفهم إليها ؛ لاحتمال أنها كانت في زمانه صلى اللّه عليه وسلم موضوعة لمعان أخر ، وكان مراد اللّه تعالى تلك المعاني ، إلا أنها خفيت في زماننا واندرست ، كما وقع مثله في هذه اللفظة ، ولمّا كان ذلك باطلا بإجماع المسلمين . . علمنا أن الاشتقاق الذي ذكره مردود باطل ) ا ه « 1 » والحقّ أن هذا لا يلزم الزّمخشريّ ؛ لأن المشتق قد يشتهر اشتهارا تامّا ويخفى المشتقّ منه ، إذ لا تلازم بينهما في الاشتهار ؛ لأن الاشتقاق أمر اعتباريّ لا يعرفه إلا أهل الصناعة ، وأمّا تبادر الفهم إلى معنى اللفظ . . فهو أمر بديهيّ يعرفه الخاص والعام بالسّليقة من غير تكلف ؛ وحينئذ لا يلزم على كلام الزّمخشري شيء مما ألزمه ، وإنما غاية ما فيه : أن شأن المعنى الحامل على الاشتقاق أو المقتضي له الاطّراد ، والدعاء هو الأمر الظاهر المطّرد ؛ فكان اعتباره في الاشتقاق أولى وأظهر . وللصلاة معان أخر استعملت فيها ، لكنها ترجع إلى ما مرّ كالاستغفار ، ومنه : « إني بعثت إلى أهل البقيع لأصلّي عليهم » « 2 » أي : أستغفر لهم ، كما في رواية أخرى . والبركة ، ومنه : « اللهم ؛ صلّ على آل أبي أوفى » « 3 » . والقراءة ، ومنه : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ، والرحمة ، والمغفرة . والحاصل : أن معناها يختلف بحسب حال المصلي ، والمصلّى له ، والمصلّى عليه ، كما يأتي قريبا .
--> ( 1 ) التفسير الكبير ( 2 / 29 ) . ( 2 ) أخرجه ابن حبان ( 3748 ) ، والحاكم ( 1 / 488 ) ، والنسائي في « الكبرى » ( 2176 ) . ( 3 ) أخرجه البخاري ( 1497 ) ، ومسلم ( 1078 ) .